الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
320
تفسير روح البيان
متكبرا عاقا لهما أو عاصيا لربه قال في بحر العلوم الجبار المتكبر وقيل هو الذي يضرب ويقتل على الغضب لا ينظر في العواقب وقيل هو المتعظم الذي لا يتواضع لامر اللّه وَسَلامٌ سلامة من اللّه تعالى وأمان عَلَيْهِ على يحيى أصله وسلمنا عليه في هذه الأحوال وهي أوحش المواطن لكن نقل إلى الجملة الاسمية للدلالة على ثبات السلام واستقراره فان وحشتها لا تكاد نزول الا بثبات السلام فيها ودوامه يَوْمَ وُلِدَ من رحم أمه من طعن الشيطان كما يطعن سائر بني آدم وَيَوْمَ يَمُوتُ بالموت الطبيعي من هول الموت وما بعده من عذاب القبر وَيَوْمَ يُبْعَثُ حال كونه حَيًّا من هول القيامة وعذاب النار وفيه إشارة إلى الولادة من أم الطبيعة والموت بالفناء عن مقتضيات الطبيعة في اللّه والبعث بالبقاء بعد الفناء وقال ابن أبي عيينة أوحش ما يكون الإنسان في هذه الأحوال يوم ولد فيخرج مما كان ويوم يموت فيرى قوما لم يكن عاينهم ويوم يبعث فيرى نفسه في محشر لم ير مثله فخص يحيى بالسلام في هذه المواطن واعلم أن زكريا إشارة إلى الروح الإنساني وامرأته إلى الجثة الجسدانية التي هي زوج الروح ويحيى إلى القلب وقد استبعد الروح بسبب طول زمان التعلق بالقالب ان يتولد له قلب قابل لفيض الا لوهية بلا واسطة كما قال ( لا يسعني ارضى ولا سمائي ولكن يسعني قلب عبدي المؤمن ) وهو الفيض الأزلي لم يؤت لواحد من الحيوانات والملائكة كما قال المولى الجامي ملائك را چه سود از حسن طاعت * چو فيض عشق بر آدم فرو ريخت ثم إنه لما بشر بولادة القلب الموصوف بما ذكر طلب آية يهتدى بها إلى كيفية حمل القالب العاقر بالقلب الحي الذي حيى بنور اللّه تعالى قال آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ اى لا تخاطب غير اللّه ولا تلتفت إلى ما سوى اللّه ثلاث ليال وبها يشير إلى مراتب ما سوى اللّه وهي ثلاث الجمادات والحيوانات والروحانيات فإذا تقرب إلى اللّه تعالى بعدم الالتفات إلى ما سواه يتقرب اليه بموهبة الغلام الذي هو القلب الحي بنوره فخرج زكريا الروح من محراب هواه وتبعه على قوم صفات نفسه وقلبه وأنانيته فقال كونوا متوجهين إلى اللّه معرضين عما سواه آناء الليل وأطراف النهار بل بكرة الأزل وعشىّ الأبد فلما ولد له يحيى القلب قيل له يا يحيى خذ كتاب الفيض الإلهي بقوّة ربانية لا بقوّة انسانية لأنه خلق الإنسان ضعيفا وهو عن القوة بمعزل وان اللّه هو الرزاق ذو القوّة المتين فجاء صاحب علم وحكمة ورحمة وطهارة من الميل إلى ما سوى اللّه واتقاء وَبَرًّا بِوالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّاراً عَصِيًّا كالنفس الامارة بالسوء اما بره بوالد الروح فتنويره بنور الفيض الإلهي إذ هو محل قبول الفيض لان الفيض الإلهي وان كان نصيب الروح أولا ولكن لا يمسكه للطافة الروح بل يعبر عنه الفيض ويقبله القلب ويمسكه لان فيه صفاء وكثافة فبالصفاء يقبل الفيض وبالكثافة يمسكه كمالا هي ان الشمس فيضها يقبل الهواء لصفائه ولكن لا يمسكه للطافة الهواء فاما المرة فتقبل فيضها بصفائها وتمسكه لكثافتها وهذا أحد اسرار حمل الأمانة التي حملها الإنسان ولم تحملها الملائكة واما برّه بوالدة القالب فباستعمالها على وفق أو امر الشرع ونواهيه لينجيها من عذاب القبر ويدخلها الجنة كذا في التأويلات النجمية باختصار قال بعض الأولياء كنت في تيه بني إسرائيل فإذا رجل يماشيني فتعجبت منه وألهمت انه الخضر فقلت له بحق الحق